الشيخ محمد رشيد رضا
163
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( قال ) فهذه الأنواع الأربعة من الرأي « 1 » الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمه واخراجه من الدين ( النوع الخامس ) ما ذكره أبو عمر ابن عبد البر عن جمهور أهل العلم أن الرأي المذموم في هذه الآثار عن النبي ( ص ) وعن أصحابه والتابعين ( رض ) أنه القول في شرائع الدين بالاستحسان والظنون ، والاشتغال بحفظ المعضلات والاغلوطات ، ورد الفروع بعضها على بعض قياسا دون ردها إلى أصولها والنظر في عللها واعتبارها الخ ( أقول ) ثم ذكر أن في هذا تعطيل السنن ، واستشهد على بطلان هذا الرأي وما فسره به بالأحاديث الواردة في نهي الرسول ( ص ) عن الاغلوطات وعن عضل المسائل وعن كثرة المسائل ، وقد أورد ابن عبد البر في هذا الفصل أكثر ما أوردناه آنفا عن فتح الباري ، ومنه ما ورد في سبب نزول الآية التي نحن بصدد تفسيرها آثار علماء السلف في الرأي والقياس ثم عقد ابن القيم فصلا لآثار التابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار في ذم القياس والنهي عنه ، وبيان كون القائلين به لم يريدوا ان يجعله الناس دينا يدان به وشرعا متبعا للأمة ، وكون المتعصبين لهم من بعدهم انحرفوا عن طريقهم وخالفوا مذهبهم غلوا فيه ، ومنه قول القعنبي : دخلت على مالك بن أنس في مرضه الذي مات فيه فسلمت عليه ثم جلست فرأيته يبكي ، فقلت له يا أبا عبد اللّه ما الذي يبكيك ؟ فقال لي : يا ابن قعنب وما لي لا أبكي ؟ ومن أحق بالبكاء مني ؟ واللّه لوددت أني ضربت بكل مسألة أفتيت فيها بالرأي سوطا ، وقد كانت لي السعة فيما قد سبقت اليه ، وليتني لم أفت بالرأي . ومنه قول الشافعي : مثل الذي ينظر في الرأي ثم يتوب منه مثل المجنون الذي عولج حتى برئ فأعقل ما يكون قد هاج . ومنه تقديم أبي حنيفة وأحمد الحديث الضعيف على الرأي والقياس . ومن شواهد هذا في مذهب
--> ( 1 ) قوله : من الرأي - هو خبر لقوله : فهذه الأنواع . لا بيان له ، وانما قال من الرأي لان هنالك نوعا آخر وهو الخامس . ويمكن ان يقال إن هذه الأنواع متداخلة يمكن ارجاع بعضها إلى بعض كارجاع الثالث إلى الرابع